السيد محمد الصدر

83

تاريخ الغيبة الصغرى

الأمر الرابع : انعدام الإشارة إلى التجارة في كلتا الروايتين ، وظهورهما بانحصار سبل العيش بالزراعة تقريبا ، إلا ما كان من قبيل التجارات السوقية الصغيرة والحرف اليدوية . الأمر الخامس : التأكيد على وجود ريف واسع يحيط بكل مدينة ، يتكون من قرى كثيرة . وهذا هو الشكل الذي كانت عليه المدن بشكل أو آخر ، في عصر الراوي ، وكان الريف ناشئا من الشكل الاقطاعي والطبقي للمجتمع ، ومن هنا حصل التمييز بين القرية والمدينة . وهو مما لا يعترف به نظام الاسلام . وهناك أمور أخرى غير هذه ، لا حاجة إلى سردها . ونستطيع أن نؤكد أن المجتمع الذي يكون بإشراف المهدي ( ع ) ، حيث تتربى الأجيال برأيه وقانونه ، لا يمكن أن يبقى ذو صبغة مدنية واطئة ، كما وصفه الراوي . . . لا أقل من وجود فكرة مبسطة عن المدارس والمستشفيات والتجارة ، ومحاولة لتطوير وسائل الدفاع ، وتطوير القرى وتثقيف أهلها لكي يصل المجتمع إلى العدل الكامل . العامل الثاني : العامل الفكري أو الاتجاه السياسي المركوز في ذهن الراوي نتيجة لشكل الحكم السائد في الدول في تلك العصور . فكما أن الدول كانت في الأعم الأغلب محكومة لملوك مستبدين ، يكون الملك فيها هو الحاكم بأمره ، المطلق العنان في التصرف ، وليس له مجلس وزراء ولا برلمان ولا لجنة استشارية ولا هيئة قضائية ، ولا أي شيء من هذا القبيل . بل هو أما أن يمارس ذلك بنفسه إن استطاع ، واما أن يهمل ذلك إهمالا . . . فكذلك ينبغي أن يكون المجتمع العادل ، في رأي الراوي . مع أن هذا بعيد عن روح الإسلام كل البعد ، فان الاسلام وإن كان يرى للرئيس صلاحية مطلقة في التصرف ، إلا أنه لا يتوقع منه القيام فعلا بكل شيء . بل أنه يوزع صلاحياته على المؤمنين الموثوقين من شعبه ، كل حسب قابليته وموهبته . فهناك قضاة وهناك مستشارين وهناك سلطة تنفيذية كاملة ، بحسب ما